kiii
  • عنواننا في التلغرام : https://telegram.me/al_kawthar الإيميل : alkawthar.com@gmail.com
  • اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا اَبا عَبْدِاللهِ وَعَلَى الاَْرْواحِ الَّتي حَلَّتْ بِفِنائِكَ عَلَيْكَ مِنّي سَلامُ اللهِ اَبَداً ما بَقيتُ وَبَقِيَ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَلا جَعَلَهُ اللهُ آخِرَ الْعَهْدِ مِنّي لِزِيارَتِكُمْ ، اَلسَّلامُ عَلَى الْحُسَيْنِ وَعَلى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ وَعَلى اَوْلادِ الْحُسَيْنِ وَعَلى اَصْحابِ الْحُسَيْن ِ (اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه و على آبائه في هذه الساعة و في كل ساعة وليا و حافظا و قائدا و ناصرا و دليلا و عينا حتى تسكنه أرضك طوعا و تمتعه فيها طويلا)

الإمام الحسين ع وارث الأنبياء ع

20157 20153 20151 هـ - الموافق 11 أكتوبر 2015

بسم الله الرحمن الرحيم

الإمام الحسين عليه السلام وارث جميع الأنبياء

{فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ*وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيل}(القصص/21،22).

زيارة وارث

من أهمّ الوسائل التي يمكننا من خلالها معرفة أئمتنا عليهم السلام هي الزيارات الكثيرة التي وردت في شأنهم، كزيارة أمير المؤمنين في يوم الغدير ويوم مولد الرسول صلى الله عليه وآله ، كذلك زيارة عاشوراء المهمَّة المشتملة على أهمّ ما ينبغي أن يعتقده المؤمن ويعمل به خصوصاً التولي لأولياء الله والتبري من أعداء الله .

ومن تلك الزيارات هي  "زيارة وارث". ووجه تسميتها بهذا الإسم هو وجود عبارات تكررت فيها كلمة وارث . نخاطبه سلام الله عليه :

"السلام عليك يا وارث آدم صفي الله السلام عليك يا وارث نوح نبي الله ، السلام عليك يا وارث إبراهيم خليل الله"

إنّ وراثة الإمام الحسين عليه السلام ليست منحصرة بالأنبياء المذكورة أسمائهم في الزيارة بل تشمل كافة الأنبياء من لدن آدم عليه السلام إلى محمّد صلى الله عليه وآله وأيضاً هو وارث أبيه علي عليه السلام و أمّه فاطمة عليها السلام وأخيه الإمام الحسن عليه السلام.

أبعاد الوراثة

هذه الوراثة لها جوانب عديدة كلّ منها يتطلّب بحثاً مستقلاً نشير إلى البعض منها ونفصِّل في البعض الآخر:

وراثة الصفات

من أهم أبعاد هذه الوراثة هي وراثة صفات الأنبياء حيث تميّز كلُّ نبيٍ بصفةٍ فآدم (ع) تميَّز في كونه صفي الله ونوح (ع) في كونه نبي الله وإبراهيم (ع)في خلَّته وموسى (ع)في تكليمه وهكذا.

الوراثة

ورد أنّ "العلماء ورثة الأنبياء" وأنّ "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل" فهذه الوراثة هي في بعض الشئون وأمّا الإمام الحسين عليه السلام فهو وارث الأنبياء في كافة الشئون خصوصاً في منطق الأنبياء وموقفهم الذي يمكن أن نعرفه من خلال القرآن الكريم.

الوراثة في التوحيد الأفعالي:

هناك موقف مشترك لكافة الأنبياء قد نطق القرآن به على لسان عدد منهم فورد على لسان شعيب عليه السلام:

(إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ)(هود/88).

وهذا هو التوحيد الأفعالي الذي جاء ذكره في مواطن عديدة من القرآن كقوله "وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى" والإمام عليه السلام قد صرّح بهذه الحقيقة في قوله لأخيه محمد بن الحنفيَّة:

"هذا ما أوصى به الحسين بن علي بن أبي طالب إلى أخيه محمد المعروف بابن الحنفية أن الحسين يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له   وأن محمدا عبده ورسوله ، جاء بالحق من عند الحق ، وأن الجنة والنار حق ، وأن   الساعة آتية لا ريب فيها ، وأن الله يبعث من في القبور ، أني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا مفسدا ولا ظالما وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي صلى الله عليه وآله أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر ، وأسير بسيرة جدي وأبي علي ابن أبي طالب عليه السلام فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق ، ومن رد علي هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق وهو خير الحاكمين ، وهذه وصيتي   يا أخي إليك وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب "

فمنطق الإمام هو منطق الأنبياء جميعاً .

وارث محمّد

"خرج الحسين عليه السلام من مكة  فاعترضته رسل عمرو بن سعيد بن العاص عليهم يحيى بن سعيد ليردوه فأبى عليهم وتضاربوا بالسياط ، ومضى عليه السلام على وجهه ، فبادروه وقالوا : يا حسين ألا تتقي الله تخرج من الجماعة وتفرق بين هذه الامة ؟ فقال : لي عملي ، ولكم عملكم   أنتم بريئون مما أعمل ، وأنا برئ مما تعملون ."

هذا منطق الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلّم والآية في سورة يونس قال تعالى : (بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ)(يونس/39). ونفس الموضوع ينطبق عليهم حيث لم يعرفوا السر في حركة الإمام فكذَّبوه (وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ)(يونس/41). ثم انظر كيف يصفهم سبحانه بقوله (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لاَ يَعْقِلُونَ)(يونس/42). (وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لاَ يُبْصِرُونَ)(يونس/43). هكذا كان أتباع بني أميَّة أعمى الله قلوبهم جميعاً .

وارث نوح

"وقال المفيد : ودعا الحسين عليه السلام براحلته فركبها ونادى بأعلى صوته : يا أهل العراق - وجلهم يسمعون - فقال : أيها الناس اسمعوا قولي ولا تعجلوا حتى أعظكم بما يحق لكم علي ، وحتى أعذر عليكم ، فان أعطيتموني النصف ، كنتم بذلك أسعد وإن لم تعطوني النصف من أنفسكم " فاجمعوا رأيكم ثم لا يكن أمركم علكيم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين "

هذا بعينه هو منطق النبي نوحٍ عليه السلام حيث يقول سبحانه (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلاَ تُنْظِرُونِ)(يونس/71).

ويشير أيضاً إلى قوله تعالى : (...قُلْ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِي فَلاَ تُنظِرُونِ)(الأعراف/195). (إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ)(الأعراف/196). سواء في هذا الكلام أو في الكلمات السابقة يمكننا أن نصل إلى نتيجة واحدة وهي التوكُّل المطلق على الله و بيان ضعف كيد الأعداء وأنهم لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً ولا خير فيهم أصلا ولذلك ورد بعد الآية الأخيرة  (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ)(الأعراف/197). (وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ)(الأعراف/198). وأنت تلاحظ أن هذه الكلمات قد تكررت فيما قبل أيضاً.

وارث يحيى

هناك شبه كبير بين الإمام الحسين عليه السلام وبين يحيى بن زكريا يعرف ذلك الشبه كلّ من تمعَّن في شخصية يحيى بن زكريا عليهما السلام وما جرى عليه وكيفية مواجهة يحيى عليه السلام وكيفية استشهاده، نذكر بعضها:

  • ما روي عن ابن عباس أنه قال: "أوحى الله إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم: إنِّي قتلتُ بيحيى ابن زكريا سبعين ألفاً، وإني قاتل بابن فاطمة سبعين ألفا."(تذكرة الخواص:252، فردوس الأخبار:3: 187 حديث رقم4515، وأورده السيد ابن طاووس (ره) في الطرائف:202 حديث رقم290، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد:1: 142، والحاكم في المستدرك على الصحيحين:3: 278، وأبو نعيم في حلية الأولياء:3: 120؛ مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي 2: 109).
  • أن رأس يحيى بن زكريا عليهما السلام أُهدي إلى بغيّ من بغايا بني إسرائيل، كما أشار إلى ذلك مراراً الإمام الحسين عليه السلام نفسه حيث قال: "ومن هوان الدنيا على الله أنَّ رأس يحيى ين زكريا علهما السلام أُهدي إلى بغيّ من بغايا إسرائيل!".(الإرشاد: 2: 132 وانظر:تأويل الآيات:294، ومجمع البيان: 5: 779). وكذلك فقد حُمل رأس الإمام الحسين عليه السلام إلى ابن مرجانة وإلى يزيد.(قال السيد محمد بن أبي طالب في كتابه تسلية المجالس: 1: 134: "وحُمل رأس يحيى بن زكريا إلى بغيّ من بغايا بني إسرائيل، وكذلك حُمل رأسُ الحسين إلى نجل بغيّة من بغايا قريش، ولم تبك السماء إلاّ عليهما، بكت أربعين صباحاً.".
  • روى ابن قولويه (ره) بسنده عن زرارة، عن عبدالخالق بن عبدربّه قال: "سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول: "لم نجعل له من قبلُ سميّا" الحسين بن علي عليهما السلام لم يكن له من قبلُ سميّاً، ويحي بن زكريا عليهما السلام لم يكن له من قبل سميّاً..."(كامل الزيارات: 95، باب 28، حديث رقم 8؛ والآية 7 في سورة مريم.).
  • وروي أن مدة حمل زوج زكريا بيحيى كانت ستة أشهر، وكذلك كانت مدة حمل مولاتنا فاطمة عليها السلام بالإمام الحسين عليه السلام.(مناقب آل أبي طالب عليهم السلام 4: 76، وجلاء العيون: 278.).
  • وأنّ قاتل يحيى عليه السلام كان ولد زنا، وكذلك كان قاتل الإمام الحسين عليه السلام.(مرّت بنا قبل هذا رواية ابن قولويه(ره) بسنده عن كليب بن معاوية، عن الإمام أبي عبدالله الصادق عليه السلام أنّه قال: "كان قاتل يحيى بن زكريا ولد زنا، وكان قاتل الحسين عليه السلام ولد زنا، ولم تبك السماء إلاّ عليهما. كامل الزيارات: 79-80، باب 25 حديث رقم1.).
  • وأنّ السماء لم تبك إلاّ عليهما.(أنظر في رواية كامل الزيارات السابقة، والرواية رقم 11 من نفس الباب في نفس المصدر.).

وارث موسى كليم الله

قال المفيد : فسار الحسين إلى مكة وهو يقرأ {فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِين}(القصص21) ولزم الطريق الأعظم ، فقال له أهل بيته : لو تنكبت عن الطريق كما فعل ابن الزبير كيلا يلحقك الطلب ، فقال : لا والله   لا أفارقه حتى يقضي الله ما هو قاض ، ولما دخل الحسين عليه السلام مكة ، كان دخوله إياها يوم الجمعة ، لثلاث مضين من شعبان ، دخلها وهو يقرأ {وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيل}(القصص22)

فالسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو لماذا تلا الإمام الحسين عليه السلام هاتين الآيتين ؟ ومما كان يخاف الإمام الحسين ؟ وماذا كان يترقَّب؟ وأين هو سواء السبيل؟

بلوغ الأشدّ

كان موسى في رفاهية من العيش حين كان في قصر فرعون وكان القصرخارج المدينة ولما وصل بفضل من الله تعالى إلى مستوى من الكمال في العقل والجسم {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ}(القصص/14)  

الآية تذكر "الحكم" وهو المهمّ ويعني الحكمة في الرؤية والعمل ثمّ "العلم"، فلا فائدة للعلم بدون الحكمة ، وبالطبع هذه الصفة لا تختص بالأنبياء بل "وكذلك نجزي المحسنين" فكلُّ من وصل إلى الإحسان هذا جزاؤه "هل جزاء الإحسان إلا الإحسان".

حزب موسى

رغم أنّ موسى (ع) كان يعيش مع فرعون  إلا أنّه تمكَّن من تأسيس حزبٍ يتكوَّن من ثلاثة هو قائدهم ، فدخل في مدينه من مدائن فرعون على حين غفلة من أهلها كما قال تعالى: {وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا}(القصص15) فخرج من بيت فرعون قاصداً مصر حيث وصلها بين المغرب والعشاء والناس في غفلة، وهذا يدلُّ على الحذر أثناء الدخول، لعداء أهل المدينة له فقد شكَّل جبهة ضدّ فرعون، والمفروض أنه يسعى لزيادة عدد أعضاء الحزب  ولكن استعجال في القرار أدّى إلى إبطاء السير و تأخير النجاح ممّا كان سبباً إلى أن يقع موسى في مشكلة كبيرة اضطرته إلى الخروج من المدينة و تحمل المصاعب الكبيرة.

ماذا حدث ؟

بمجرَّد أن دخل المدينة {... فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَن} من هنا نعرف مدى قوّة عقيدة الرجل بحيث كان يقاتل في سبيل الدفاع عن منطقه الذي هو منطق قائده موسى وهذا يدلُّ على أنَّه عليه السلام تمكَّن من التأثير الكبير عليه رغم صغر سنِّه حتى وصل الأمر إلى أن يدافع عن قائده إلى حدّ الاقتتال  {هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ..} فما هو السرّ في ذكر هاتين الصفتين مكرَّرة؟

فكأنَّه يريد بيان الحافز الذي أكَّد لموسى أن يفعل ما فعل من قتل القبطي، لأنَّه بمجرَّد أن عرف أنَّ هذا من شيعته وذاك من عدُّوه، لم يتأمَّل في الأمر {فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ} والوكز هو الطعن والدفع والضرب بجميع الكف، وهذا يدلُّ على مستوى قوَّته عليه السلام.

عمل الشيطان

هاهنا يبيِّن سبحانه الخط الفكري الحاكم على الجهتين المتصارعتين حيث يقول: {هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ..} والمفروض أن يبتعد عنهما أو يفرقهما كيلا  تنكشف خطته ولا يفشل جهده و لكنه لم يفعل ذلك بل أخذ يدافع عن شيعته  فوكزه وهذا العمل رغم أنّه كان في محلّه حيث قتل عدوّه وهو نبي الله بالفعل أو بالقوَّة  وكل من يعادي الأنبياء فهو يعادي الله وجزاءه القتل ولكن هناك مشكلتين في هذا العمل:

  • التوقيت حيث لم يكن متناسباً .

 فلو أنّ موسى (ع) صبر وتأنّى لكان خيراً له  كما أن صاحب الحوت أيضاً لم يصبر ، ولذلك يقول سبحانه مخاطباً الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم : (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ)(القلم/48).

2- النيَّة حيث لم تكن خالية من شائبة التعلق.

 فلم يحصل الخلوص التام هنا ولم يصل أحد بما وصل إليه أهل البيت عليهم السلام من  التطهير المطلق حيث صرَّح سبحانه : (... إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)(الأحزاب/33).

 (... قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ)(القصص/15).  فلم يكن القتل من عمل الشيطان بل هو أمر إلهي ربّاني، ولكن الشائبة التِّي خالطت عمله هي التِّي غيَّرت القضيَّة فصار هذا العمل غير مرضيٍّ .

فالمشكلة لا تكمن في القتل بل في أمرٍ آخر وهو : أنَّ كون ذاك من شيعته قد أثّر في موقف موسى ولو بشكل بسيط لأنَّ الله سبحانه يعامل الناس بحسب مقاماتهم، ولأنه من المحسنين تمهيداً لكونه من النبيين ثمَّ الصديقين ثم الشهداء فالصالحين لم يكن ذلك مقبولاً منه ، لأنّ حسنات الأبرار سيِّئات المقرَّبين ومن هنا قال:

{قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ} (القصص/15)

 

والدليل على ذلك هو قوله عليه السلام :

(قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)(القصص/16). فلم يقل "ظلمت غيري" فغفر له الله مباشرة ثم لا ينكر ما فعله ولا يراه عملا سيئاً بل (قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ)(القصص/17).

 

 (فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ)(القصص/18). (فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ)(القصص/19).

وبعد أن كان موسى يدخل المدينة بشكل طبيعي صار يترقّب الناس من بعد أن عرف الناس عنه أنه قتل شخصاً . وقد حال هذا من أن يتستّر في عمله على زيادة أنصاره للإسراع في محاربة فرعون والقضاء عليه .

وأما ذاك الرجل الذي هو من شيعته فقد عاد يطلب منه المساعدة " قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ " لأنه كان السبب في حدوث المشكلة ، وكأنه يقول له أن المؤمن لابد أن يكون قويا يتمكن من الدفاع عن نفسه ، وفي هذه المرّة تركه .

البطش لا القتل

لم يكن موسى بصدد قتله ولكنه أراد أن يبعده عن صديقه بالبطش فقط (فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ)(القصص/19).

عين موسى وعين الحسين :

{وَجَاءَ  رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ  يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ  مِنْ النَّاصِحِينَ}(القصص/20)

وهذا الرجل وإن كان بعيداً عن المدينة إلا أنَّه كان مطَّلعاً تماماً على ما يحدث فيها وما يجري في قصر فرعون ولعلَّه كان عيناً لموسى في قصر فرعون وقد أخبره موسى بالذهاب إلى المدينة وكان يعرف مكان موسى بالدقة، والملأ كلمة تطلق على السواد الذين يملئون العين.

((فقال الحسين عليه السلام: يا أخي والله لو لم يكن (في الدنيا) ملجأ ولا مأوى، لما بايعت يزيد بن معاوية، فقطع محمد بن الحنفية الكلام وبكى، فبكى الحسين عليه السلام معه ساعة ثم قال: يا أخي جزاك الله خيراً، لقد نصحت وأشرت بالصواب وأنا عازم على الخروج إلى مكة، وقد تهيأت لذلك أنا وإخوتي وبنو أخي وشيعتي، وأمرهم أمري ورأيهم رأيي، وأما أنت يا أخي فلا عليك أن تقيم بالمدينة، فتكون لي عينا (عليهم) لا تخفي عني شيئا من أمورهم))(العوالم ص178،179).

 

سبب خوف الحسين :

1-إنـدراس الحـق:

وهذا ما يستفاد من كلمات سيد الشهداء عليه السلام كما في الخطبة الآتية وهي قبل موت معاوية بسنتين حيث حج الإمام الحسين بن على عليهما السلام وعبدالله بن جعفر، وعبدالله بن عباس معه، وقد جمع الحسين بن على عليهما السلام بني هاشم رجالهم ونساءهم  ومواليهم وشيعتهم من حج منهم ومن لم يحج، ومن بالأمصار ممن يعرفونه وأهل بيته، ثم لم يدع أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه واله ومن أبنائهم والتابعين ومن الأنصار المعروفين بالصلاح والنسك إلا جمعهم، فاجتمع إليهم بمنى أكثر من ألف رجل فقام الحسين عليه السلام فيهم  خطيبا فحمدالله وأثنى عليه ثم قال:

"أمّا بعد فإن هذا الطاغية، قد صنع بنا وبشيعتنا ما قد علمتم، ورأيتم، وشهدتم، وبلغكم. وإني أريد أن أسألكم عن أشياء فإن صدقت فصدقوني، وإن كذبت فكذبونى، اسمعوا مقالتي واكتموا قولي، ثم ارجعوا إلى أمصاركم وقبائلكم، من أمنتم ووثقتم به فادعوهم إلى ما تعلمون، فإني أخاف أن يندرس هذا الحق ويذهب، والله  متم نوره ولو كره الكافرون."

فما ترك الإمام الحسين عليه السلام شيئا أنزل الله فيهم من القرآن إلا قاله وفسره، ولا   شيئا قاله الرسول صلى الله عليه واله في أبيه وأمه وأهل بيته إلا رواه، وكل  ذلك يقول   الصحابة: اللهم نعم قد سمعناه شهدناه، ويقول التابعون: اللهم قد حدثناه من نصدقه ونأتمنه، حتى لم يترك شيئا إلا قاله. ثم قال: أنشدكم بالله إلا رجعتم وحدثتم به من تثقون به، ثم نزل   وتفرق الناس عن ذلك.(الاحتجاج ص150،151) 

2-الاغـتيـال :

وكان خوفه من الاغتيال، لا من أجل نفسه بل كان يخاف من أن يهتك بيت الله الحرام، وقد جاء ذلك في حديثه مع ابن الحنفية في الليلة التي أراد الخروج في صبيحتها عن مكة، فقال له ابن الحنفية:

" يا أخي إن أهل الكوفة قد  عرفت غدرهم بأبيك وأخيك، وقد خفت أن يكون حالك كحال من مضى، فإن رأيت أن تقيم فإنك أعز من بالحرم وأمنعه."

"فقال: يا أخي قد خفت أن يغتالني يزيد بن معاوية بالحرم ، فأكون الذي يستباح به حرمة هذا البيت".

فقال له ابن الحنفية: "فإن  خفت ذلك فصر إلى اليمن أو بعض نواحي البر فانك أمنع الناس به ، ولا يقدر عليك أحد".

فقال: "أنظر فيما قلت".

"إن هؤلاء أخافوني وهذه كتب أهل الكوفة، وهم قاتلي، فإذا فعلوا ذلك ولم يدعوا لله محرما إلا انتهكوه، بعث الله إليهم من يقتلهم حتى يكونوا أذلّ من قوم الأمة"

وقوله: "وهم قاتلي" أي أنّه سوف يتحقق القتل سواء ذهبت إلى كربلاء أو بقيت في المدينة أو ذهبت إلى أي من البلاد.

3-استجابة الدعاء:

وقد استجيب دعاء الإمام عليه السلام ونجّاه الله من القوم الظالمين كما نجّى فرعون؟ ، ولا يهم بعد ذلك ما سيحدث، فلم يكن هناك حلٌّ إلا أن يقتل الإمام الحسين عليه السلام "لا والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أفر فرار العبيد" وكان يقول " الموت خير من ركوب العار والعار أولى من دخول النار" ويقول: "إنى لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما" "خُطّ الموت على ولد آدم مَخطّ القلادة على جيد الفتاة وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف، وخير لي مصرع أنا لاقيه"  "ألا أن الدعي ابن  الدعي قد ركز بين اثنتين بين السلة والذلة وهيهات منا الذلّة، يأبى الله ذلك ورسولُه وحجورٌ طابت وحجور طهرت وأنوف حمية ونفوس أبية لا تؤثرُ مصارعَ اللئام على مصارع الكرام".

فبالنسبة إلى موسى يقول:

{فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}(القصص/25)

مقام العنديّـة :

وأما نجاة الإمام الحسين عليه السلام لم يتمّ إلا بالشهادة في سبيل الله تعالى، كما ورد في الحديث: "إنَّ لَكَ دَرَجَةً فِي الجَنَّةِ لاَ تَنَالُهَا إِلاَّ بِالشَّهَادَة".

قال الإمام الخميني قدس سره في الأربعون حديثاً الحديث 15:

"ومن المعلوم أن الصورة الملكوتية للشهادة في سبيل الله لم تحصل إلا بعد وقوع الشهادة في عالم الملك -عالمنا الحاضر- كما برهن على ذلك في العلوم العالية".

وقد طلبت امرأة فرعون ذلك المقام، قال تعالى:

{وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}(التحريم/11)

فهي قد تخلَّصت من القوم الظالمين بالشهادة في سبيل الله.

والجدير بالذكر أنّه عليه السلام يقرأ قوله تعالى:

{وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيل}(القصص/22

ويقول سيد الشهداء أبو عبد الله الحسين عليه السلام كما نقل السيد:

"هوّن عليّ ما نزل بي أنه بعين الله"

وقد استجيب دعاء سيد الشهداء عليه السلام ووصل إلى أمنيته وهي لقاء الله فقد نزل في شأنه قوله تعالى:

(يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ)(الفجر/27). (ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً )(الفجر/28). (فَادْخُلِي فِي عِبَادِي)(الفجر/29). (وَادْخُلِي جَنَّتِي )(الفجر/30).

إبراهيم الأنصاري